مجمع البحوث الاسلامية

768

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

تحسبنّ ) بالتّاء . ثمّ اختلف أهل العربيّة في تأويل ذلك ، فقال بعض نحويّي الكوفة : معنى ذلك : لا يحسبنّ الباخلون البخل هو خيرا لهم . فاكتفى بذكر ( يبخلون ) من البخل ، كما تقول : قدم فلان فسررت به ، وأنت تريد فسررت بقدومه ، وهو عماد . وقال بعض نحويّي أهل البصرة : إنّما أراد بقوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لا تحسبنّ البخل هو خيرا لهم ، فألقى الاسم الّذي أوقع عليه الحسبان به وهو البخل ، لأنّه قد ذكر الحسبان ، وذكر ما آتاهم اللّه من فضله ، فأضمرهما إذ ذكرهما . قال : وقد جاء من الحذف ما هو أشدّ من هذا ، قال : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ الحديد : 10 ، ولم يقل : ومن أنفق من بعد الفتح ، لأنّه لمّا قال : أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ كان فيه دليل على أنّه قد عناهم . وقال بعض من أنكر قول من ذكرنا قوله من أهل البصرة : إنّ ( من ) في قوله : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ في معنى جمع ، ومعنى الكلام : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح في منازلهم وحالاتهم ، فكيف من أنفق من بعد الفتح ، فالأوّل مكتف . وقال في قوله : لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ محذوف ، غير أنّه لم يحذف إلّا وفي الكلام ما قام مقام المحذوف ، لأنّ ( هو ) عائد البخل ، و ( خيرا لهم ) عائد الأسماء ، فقد دلّ هذان العائدان على أنّ قبلهما اسمين ، واكتفى بقوله : ( يبخلون ) من البخل . قال : وهذا إذا قرئ بالتّاء ، فالبخل قبل ( الّذين ) ، وإذا قرئ بالياء ، فالبخل بعد ( الّذين ) ، وقد اكتفى ب ( الّذين يبخلون ) من البخل . [ ثمّ استشهد بشعر ] وأولى القراءتين بالصّواب في ذلك عندي ، قراءة من قرأ ( ولا تحسبنّ الّذين يبخلون ) بالتّاء ، بتأويل : ولا تحسبنّ أنت يا محمّد بخل الّذين يبخلون بما أتاهم اللّه من فضله ، هو خيرا لهم ، ثمّ ترك ذكر البخل ؛ إذ كان في قوله : ( هُوَ خَيْراً لَهُمْ ) دلالة على أنّه مراد في الكلام ؛ إذ كان قد تقدّمه قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . وإنّما قلنا قراءة ذلك بالتّاء أولى بالصّواب من قراءته بالياء ، لأنّ المحسبة من شأنها طلب اسم وخبر ، فإذا قرئ قوله : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بالياء لم يكن للمحسبة اسم ، يكون قوله : هُوَ خَيْراً لَهُمْ خبرا عنه ، وإذا قرئ ذلك بالتّاء كان قوله : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ اسما له ، قد أدّى عن معنى البخل الّذي هو اسم المحسبة المتروك ، وكان قوله : هُوَ خَيْراً لَهُمْ خبرا لها ، فكان جاريا مجرى المعروف من كلام العرب الفصيح . فلذلك اخترنا القراءة بالتّاء في ذلك على ما بيّنّاه ، وإن كانت القراءة بالياء غير خطأ ، ولكنّه ليس بالأفصح ولا الأشهر من كلام العرب . ( 4 : 188 ) أبو زرعة : قرأ حمزة ( ولا تحسبنّ الّذين يبخلون ) بالتّاء ، خطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، ف ( الّذين ) في موضع نصب على المفعول الأوّل ، و خَيْراً لَهُمْ المفعول الثّاني . قال أحمد بن يحيى « 1 » : الوجه عندنا بالتّاء ، ليكون للمحسبة

--> ( 1 ) ثعلب